=
اخبار وطنيةعالم الاخبار

الملك محمد السادس يوجه رسالة إلى المشاركين في الدورة الأولى للمناظرة الوطنية للتنمية البشرية

و جه الملك محمد السادس رسالة إلى المشاركين في الدورة الأولى للمناظرة الوطنية للتنمية البشرية ، التي افتتحت اليوم الخميس بالصخيرات تحت شعار “الطفولة المبكرة : التزام من أجل المستقبل “.

وفي ما يلي نص الرسالة الملكية السامية التي تلاها عبد الوافي لفتيت وزير الداخلية :

” الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسـول الله وآله وصحبه

حضرات السيدات و السادة ،

يطيب لنا أن نتوجه إلى المشاركين في الدورة الأولى للمناظرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أبينا إلا أن نسبغ عليها رعايتنا السامية، لما لهذا الورش الاجتماعي المتفرد، من مكانة خاصة لدى جلالتنا، منذ أن أعطينا انطلاقته سنة 2005.

و ذلك إيمانا منا بأهدافه السامية، ومراميه النبيلة ، التي تتوخى في جوهرها جعل المواطن المغربي في صلب عملية التنمية، والغاية الأساسية للسياسات العمومية ، من منطلق ترسيخ كرامة الانسان و تعزيزها .

فالحقوق السياسية والمدنية لن تأخذ أبعادها الملموسة في الواقع المعيش للمواطن ، إلا بتكاملها مع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واليبئية.

و في هذا الإطار، حرصنا، بعد تقييم دقيق وشامل للمرحلتين الأولى و الثانية ، على إعطاء انطلاقة المرحلة الثالثة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بهدف تعزيز المكاسب، وإعادة توجيه البرامج .

و قد اعتمدنا في ذلك هندسة جديدة، تروم النهوض بالرأسمال البشري للأجيال الصاعدة، عبر التصدي المباشر ، وبطريقة استباقية، للمعيقات الأساسية التي تواجه التنمية البشرية للفرد، طيلة مراحل نموه ، وكذا دعم الفئات في وضعية صعبة، وإطلاق جيل جديد من المبادرات المحدثة لفرص الشغل، وتطوير الأنشطة المدرة للدخل .

و إذ نثمن عاليا مبادرة تنظيم هذا المنتدى، الذي اختار له المنظمون شعار ” الطفولة المبكرة : التزام من أجل المستقبل “، فإننا نأمل أن يحظى هذا الموضوع بما يستحق من الدراسة و التحليل و النقاش .

فهو يستمد أهميته وراهنيته من العناية الخاصة، التي ما فتئنا نوليها للنهوض بأوضاع الطفولة، باعتبارها عماد المجتمع ، وقاطرة المستقبل ، من أجل تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة و مندمجة .

كما يندرج هذا الموضوع في إطار الجهود المبذولة للنهوض بالعنصر البشري ، في سياق الإصلاحات الكبرى التي تشهدها بلادنا، ولاسيما على مستوى منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي .

حضرات السيدات والسادة ،

غير خاف عليكم أن الاستثمار في الجوانب اللامادية للتنمية البشرية، والذي تعتبر الطفولة المبكرة أحد محاوره الأساسية، يشكل المنطلق الحقيقي والقاعدة الأساسية لبناء مغرب الغد، وأحد التحديات الواقعية التي نراهن على كسبها، من أجل فتح آفاق واعدة، وتوفير فرص جديدة أمام الأجيال الصاعدة .

وإذا كانت بلادنا قد بذلت مجهودات جبارة في ميدان الاهتمام بالطفولة المبكرة، من خلال تقليص نسبة الوفيات لدى الحوامل والأطفال، وكذا نسبة تأخر النمو وتحسين التغذية، والاستفادة من التعليم الأولي والخدمات الصحية لهذه الفئة ، فإن الواقع لا يزال يعرف عجزا ملموسا على هذا المستوى، بفعل ضعف التنسيق في إعداد السياسات العمومية ، وغياب الالتقائية والانسجام في التدخلات، والذي تزيد الفوارق المجالية و الاقتصادية والاجتماعية من حدته .

ولمواجهة هذه الوضعية المزمنة، فإن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بحكم الطابع الأفقي لتدخلاتها، ودورها كرافعة رئيسية للتنمية الاجتماعية، تعتبر نموذجا يحتذى به لتوحيد مختلف الجهود ، وتعزيز آليات المسار التشاركي على المستوى الترابي، وتنسيق السياسات العمومية ، في إطار استراتيجية محكمة المراحل، متعددة الواجهات، متكاملة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية .

و من شأن التفعيل العملي والجيد، للبرنامج المتعلق بالطفولة المبكرة، التي تعد مرحلة مفصلية في حياة الفرد ، التصدي لعوامل التفاوتات ، و ذلك من خلال استهداف دقيق للفئات المعنية، المنحدرة من الأوساط الفقيرة و المعوزة .

حضرات السيدات والسادة ،

إيمانا منا بأهمية التصور الجديد للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، الذي يجعل من الاستثمار في الجوانب اللامادية للرأسمال البشري أولوية الأوليات، باعتبارها منطلق الإصلاح، وقاعدة بناء المستقبل، فإنه ينبغي تعميم هذا التوجه في بلورة وتنفيذ السياسات العمومية الاجتماعية، من أجل إيجاد حلول ناجعة للمشاكل الحقيقية للساكنة، من خلال اختيار أفضل المقاربات، وابتداع أنجع السبل الكفيلة بتجاوز معيقات التنمية البشرية الشاملة.

و نخص هنا بالذكر ، ضرورة تحسين النظام الصحي، عبر الاهتمام أكثر بصحة الأم والطفل، بما يضمن العدالة والانصاف في الولوج للخدمات الاجتماعية، وكذا توفير عرض متجانس للتعليم الأولي وتعميمه، خاصة بالمجال القروي، لمحاربة الهدر المدرسي، فضلا عن تنظيم حملات للتوعية والتحسيس في صفوف المستهدفين بأهمية هذا الموضوع، وانعكاساته الإيجابية على الطفل والأسرة والمجتمع. وذلك في انسجام مع التوجيهات المضمنة في رسالتنا السامية، الموجهة إلى المشاركين في اليوم الوطني حول التعليم الأولي .

كما نتوخى أن يشمل منتداكم بالنقاش والتحليل، الجوانب المتعلقة بالحكامة و التمويل والتكوين، من أجل الارتقاء بجودة الخدمات، وتشجيع روح المبادرة والإبداع، ونشر الوعي لدى الفئات المستهدفة .

وتلكم بعض المقومات الأساسية لنجاح هذا التوجه الاجتماعي الجديد، الذي يجعل من تنمية الجوانب اللامادية خيارا لا محيد عنه، من أجل كسب رهان هذه المرحلة الحاسمة في نمو الفرد ، وضمان انفتاحه على المستقبل، في إطار من التوازن والعدالة والإنصاف، بعيدا عن معيقات الفقر والإقصاء الاجتماعي .

حضرات السيدات والسادة ،

إذا كانت العديد من المؤشرات تدل على أننا نسير وفق النهج الصحيح، بدليل الإنجازات التي حققها المغرب في السنوات الأخيرة، على أكثر من مستوى، فإن هناك رهانات أخرى يتعين علينا بذل المزيد من الجهود لكسبها.

وهو ما لا يتأتى إلا باعتماد أسلوب ناجع في حكامة وتدبير السياسات الوطنية المعتمدة في الميدان الاجتماعي، من خلال التركيز على الاستثمار في الرأسمال البشري والاجتماعي، الذي يعتبر منطلقا لاعتماد جيل جديد من المبادرات الإصلاحية، الهادفة إلى زرع الأمل وبناء مغرب الغد .

وإذ نشيد مجددا باختياركم الموفق لـ “الطفولة المبكرة ” موضوعا لهذا المنتدى، فإننا نطمح أن يصبح محطة سنوية لتعميق التفكير، وفضاء لتبادل الآراء وإثراء النقاش، للوقوف على ما تحقق في هذا المجال من منجزات، وما يعترض مسار هذا الورش الهام من معيقات، والتداول بشأن ما ينبغي اتخاذه من إجراءات و تدابير ، للنهوض بقضايا التنمية البشرية والاجتماعية ببلادنا.

ولنا اليقين أن هذه المناظرة الوطنية ، ستتوج بإقرار مجموعة من التوصيات والمقترحات، الكفيلة بإطلاق مبادرات خلاقة ، وإيجاد حلول عملية، للعديد من الإشكالات المطروحة على هذا الصعيد ، بما يستجيب لتطلعاتنا إلى تحقيق مستقبل ينعم فيه أبناؤنا بالمزيد من التقدم والازدهار، في ظل الحرية و الكرامة الانسانية .

أعانكم الله وسدد خطاكم وجعل التوفيق حليف أعمالكم .

و السلام عليكم ورحمة الله تعالى و بركاته “.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق